الثلاثاء، يونيو 04، 2013

قص ولصق وطين صلصال ...

كانت حصة الرسم والأشغال من الحصص المحببة لقلب الطفل البريء ، وكان حبه لمدرسة الرسم لا يقل حبا عن حصة الرسم والأشغال .. وكان أقصى استمتاعه عمل مجسمات للطيور والحيوانات والأشخاص بالطين الصلصال ، أو صنع ورود وحيوانات وأشخاص بورق القص واللصق .. وكانت حسرته عندما ينقض ما صنع لعمل مجسمات جديدة .. فكيف يهدم ما صنعته أنامله ؟ .. رسم الطفل خلال سنوات دراسته في الابتدائي في مخيلته ما صنع من صور ومجسمات وأحداث مرت بها مصر في فترة من أحرج فترات مصر في بدايات الجمهورية الأولى .. انتهى طابور الصباح  ودخل الأولاد الفصول على نغمات نشيد : الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر فوق كيد المعتدي .. وكانت الحصة الأولى المحببة لقلبه وانتبه بكل جوارحه لمدرسته لينفذ ما تطلب منهم ، وكانت شخصية اليوم التي سيصنعونها بالطين الصلصال هو رئيس الجمهورية الأسطورة التي رسمها الإعلام في عقل كثير من شعب مصر كبيرهم وصغيرهم .. وأحب الطفل رئيسه وصنع بأنامله الصغيرة مجسم صغير أبى الطفل أن يهدمه وأحتفظ به لحين .. قرب العام على النهاية وحان إقامة المعرض السنوي للمدرسة والحفل الختامي ، وفرح الطفل لعرض بعضا من أعماله التي صنعها بالطين أو بورق القص واللصق .. وكالعادة كان أسكتش فدادين خمسة من أهم فقرات الحفل الختامي .. فدادين خمسة خمس فدادين نزرعهم فلفل وشطيطة .. ولم يدر الطفل اهمية الفلفل في حياة المصريين آنذاك .. وهل كانت ثمة علاقة بين الفلفل والشطيطة وموسم حملة هش العصافير التي تأكل أقماح المصريين .. فكانت سعادة الطفل عند اصطفافه مع زملاء فصله والخروج من المدرسة مع مدرسهم الى الحقول القريبة والمتاخمة للمدرسة سائرين في حقول القمح صارخين ومصفقين : هش العصافير هش .. هش العصافير هش ..  رسم الطفل بورق القص واللصق السد العالي وارتفعت هامة رئيسه في مخيلته ارتفاع السد .. ورسم الطفل في ذكرى العدوان الثلاثي آثاره على مدينة السويس.. ورسم أفراح الجلاء والنصر المزعوم وكيف حول الإعلام الهزيمة إلى نصر مبين .. رسم قناة السويس .. وصنع تمثالا آخر للجندي المصري هازم إسرائيل وفرنسا وانجلترا واحتفظ به .. كان طفلنا يستيقظ فجرا مرات عديدة ليرى جدته لأبوه تحمل كرتونة ورقية بها كتب والده الى بيت والدها حماية لابنها من زوار الليل ثم تعود بها بعدما تهدأ الأمور .. وكثيرا ما كانت تضعها داخل الفرن ظنا منها أنه مكان آمن .. ويسمعها وهي تدعوا على الظالمين وكيف قبضوا على عم أحمد الذي يسكن في الشارع المجاور .. ولم يدرك طفلنا ما يحدث ولم يعلق .. واستيقظ يوما على صوت هرج ومرج وتم قلب المنزل رأسا على عقب وأطاحوا به من على سريره ولم يشفع له صورة الرئيس المعلقة على جدار حجرته ، ولم يشفع له تمثال طين الصلصال للرئيس أيضا .. واقتادوا والده للنقطة وعاد بعد عدة أيام ففرح الطفل بعد حزنه .. فلم يكن لوالده أي نشاط معادي للدولة .. وكبر الطفل وزادت فرحته بارتداء زي الفتوة .. حفروا الخنادق في الشوارع .. دهنوا الشبابيك الزجاجية بالزهرة الزرقاء ولصقوها باللصق .. وسار الأطفال في الشوارع : طفي النور ياوليه احنا عساكر دورية ، ايكا ايكا ايكا ملعون ام رئيس امريكا ما تخافش يا جمال امريكا لسة عيال!! .. بدأت الحرب وصاح المذياع في كل البيوت : اضرب اضرب .. ابنك يقولك يا بطل .. يا أهلا بالمعارك .. سكت الكلام والبندقية أتكلمت .... وغيرها .. وتوالت البيانات العسكرية وتوالى إسقاط الطائرات بصوت احمد سعيد .. وجيشنا على مشارف تل أبيب .. ويا ابو خالد يا حبيب بكرة ها ندخل تل ابيب .. مرت أيام قليلة وجاءه خبر استشهاد جاره صالح المسلم وجاره وهبة المسيحي ومات معهم أمله وجيشه الوطني القوي الذي كان بنائه من أهداف الثورة الستة والتي كان يحفظها عن ظهر قلب .. وانكسر الطفل الكبير وانكسرت أسطورة الرئيس في نفسه عندما رآه منكسرا منهزما يعلن إعلاميا فقط تنحيه .. ولم يدر إلا وهو يطيح بتمثال الطين الصلصال الذي كان يحتفظ به  ..
 


هناك 3 تعليقات:

shaimaa samir يقول...

اعتقد انها ليها بقية

من الناحية الادبية حسيت بريحة الطيبة اللى كانت موجودة زمان فى الاربعينات والخمسينات
شفت الفقرة الغنائية
وحسيت بالعساكر
احاسيس ميعرفهاش جيل الفيس بوك

ولن اتحدث من الناحية السياسية :)
تحياتى

جنّي يقول...

مرحبا شيماء

هي الاحداث الرئيسية للقصة كانت في اواخر الستينات 67 واكيد لها بقية .. خلال حرب الاستنزاف وحتى نصر اكتوبر ..وكما فعلت ها اوثق المعلومات وترتيب الاحداث وانشرها ان شاء الله ..اما السياسة ليتني مثلك .. ولكننا ندفع اليها دفعا ..

اشكرك

Mongi Bakir يقول...

نظرا لقيمتك التدوينيّة الرائعة ،سعيا منها لتطوير النقاش و الاستفادة من المدونين العرب ، مدونة الزمن الجميل تدعوك للزيارة و التفاعل !!!

بصماتك و تعليقاتك تعنينا جدّا